الشيخ محمد رشيد رضا
166
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قتل به ولا فرق بينهما الا بأن اليد حاملة للروح والسيف ليس كذلك وهذا لا يصلح وحده سببا لإعادة اليد بذاتها وإحراقها دون إعادة السيف وإحراقه لان ذلك الحمل غير اختياري فالحق ان العذاب على النفس الحساسة بأي بدن حلت وفي أي جسد كانت وكذا يقال في النعيم اه وقد أيد هذا الرأي بما ورد من الأحاديث في كبر أجساد أهل الآخرة ثم قال : ولولا ما علم من الدين بالضرورة من المعاد الجثماني بحيث صار انكاره كفرا لم يبعد عقلا القول بالنعيم والعذاب الروحانيين فقط ولما توقف الامر عقلا على إثبات الأجسام فعلا ، ولا يتوهم من هذا أني أقول باستحالة إعادة المعدوم معاذ اللّه تعالى ولكني أقول بعدم الحاجة إلى اعادته وإن أمكنت والنصوص في هذا الباب متعارضة فمنها ما يدل على إعادة الأجسام بعينها بعد إعدامها ومنها ما يدل على خلق مثلها وفناء الأولى ولا أرى بأسا بعد القول بالمعاد الجسماني في اعتقاد أي الامرين اه وله الحق في رد الايراد ولكنه استقل في بعض القول وقلد المتكلمين في بعض آخر كإعادة المعدوم ولهذا البحث موضع آخر نحرره فيه ان شاء اللّه تعالى ويؤيد ما ذكره من أن النفس هي التي تذوق العذاب كلمة « لِيَذُوقُوا » ولم يقل « لتذوق » اي الجلود وذكر بعضهم في الآية اشكالا آخر وهو ان أصل الذوق تناول شيء قليل بالفم ليعرف طعمه فلا يتجوز به عن العذاب القوي الشديد أو أشد العذاب ، وأجاب الرازي بقوله « المقصود من ذكر الذوق الاخبار بأن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كاحساس الذائق المذوق من حيث إنه لا يدخل فيه نقصان ولا زوال بسبب ذلك الاحتراق اه ولست أدري ما هو المانع من كون هذا العذاب يسمى أشد العذاب وان كان هو في نفسه قليلا كما يدل عليه ظاهر لفظ يذوقوا وقد استعمل القرآن لفظ الذوق في العذاب كثيرا فاختياره مقصود وانما يعرف الأشد بالقياس على غيره فمهما كان عذاب الآخرة فهو أشد من عذاب الدنيا ، وأكثر الذين يظنون أنهم ناجون من العذاب في الآخرة يودون ان يكون عذاب المعذبين شديدا بالغا منتهى ما يمكن من الشدة ،